عبد الرحمن السهيلي

139

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

العماليق في نسب فرعون صاحب مصر ، وفي بلي أيضاً بنو إراشة ، وقوله : من رجل يؤديني على أبي الحكم أي : يعينني على أخذ حقي منه ، وهو من الأداة التي توصل الإنسان إلى ما يريد ، كأداة الحرب ، وأداة الصانع ، فالحاكم يؤدي الخصم ، أي يوصله إلى مطلبه ، وقد قيل : إن الهمزة بدل من عين ، ويؤدي وبعدي بمعنى واحد ، أي : يزيل العدوان ، والعداء وهو : الظلم ، كما تقول : هو يشكيك أي : يزيل شكواك ، وفي حديث خباب : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء ، فلم يشكنا معناه على أحد القولين : لم يرفع شكوانا ولم يزلها . وقوله : فخرج إليه ، وما في وجهه رائحة ، أي : بقية روح ، فكان معناه : روح باقية ، فلذلك جاء به على وزن فاعله ، والدليل على أنه أراد معنى الروح وإن جاء به على بناء فاعلة قول الإراشي في آخر الحديث : خرج إلي ، وما عنده روحه . مصارعة ركانة : فصل : وذكر حديث ركانة ومصارعته للنبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم مثل هذا الحديث عن أبي الأشدين الجمحي ، ولعلهما أن يكونا جميعاً صارعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم التعريف بأبي الأشدين ، وباسمه ونسبه ؛ وركانة هذا هو : ابن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب من مسلمة الفتح ، وتوفي في خلافة معاوية ، وهو الذي طلق امرأته البتة ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نيته ، فقال : إنما أردت واحدة ، فردها عليه ، ومن حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : إن لكل دين خلقاً ، وخلق هذا الدين الحياء ، ولابنه يزيد بن ركانة صحبة أيضاً ، ويروى عن يزيد بن ركانة ابنه علي ، وكان علي قد أعطى من الأيد والقوة ما لم يعط أحد ، نزع في ذلك إلى جد ركانة ، وله في ذلك أخبار ذكرها الفاكهي ، منها : خبره مع يزيد بن معاوية ، وكان يزيد بن معاوية من أشد العرب ، فصارعه يوماً ، فصرعه علي صرعة لم يسمع بمثلها ، ثم حمله بعد ذلك على فرس جموح لا يطلق ، فعلم علي ما يراد به ، فلما جمح به الفرس ضم عليه فخذيه ضمةً نفق منها الفرس ، وذكر عنه أيضاً أنه تأبط رجلين أيدين ، ثم جرى بهما ، وهما تحت إبطيه حتى صاحا : الموت الموت ، فأطلقهما . وفد نصارى الحبشة : فصل : وذكر قدوم وفد النصارى من الحبشة وإيمانهم ، وما أنزل الله فيهم من قوله تعالى : « الذين قالوا إنَّا نَصَارى » ولم يقل : من النصارى ، ولا سماهم هو سبحانه بهذا الاسم ، وإنما حكى قولهم الذي قالوه حين عرفوا بأنفسهم ، ثم شهد لهم بالإيمان ، وذكر أنه أثابهم الجنة ، وإذا كانوا هكذا فليسوا بنصارى ، هم من أمة محمد عليه السلام وإنما عرف النصارى بهذا الاسم ، لأن مبدأ دينهم كان من ناصرة قرية بالشام ، فاشتق اسمهم منهم ، كما اشتق اسم اليهود من يهود بن يعقوب ، ثم لا يقال لمن أسلم منهم : يهودي اسم الإسلام أولى بهم جميعاً من ذلك النسب . عن غلام المبيعة وصهيب وأبي فكيهة : فصل : ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجلس إلى مبيعة غلام . المبيعة : مفعلة مثل المعيشة ، وقد يجوز أن يكون مفعلة بضم العين وهو قول الأخفش ، وأما قولهم : سلعة مبيعة فمفعولة ، حذفت الواو منها في قول سيبويه حين سكنوا الياء استثقالاً للضمة ، وفي قول أبي الحسن الأخفش إن الياء بدل من الواو الزائدة في مبيوعة ، ووزنها عنده : مقولة بحذف العين ، وللكلام على هذين المذهبين موضع غير هذا .